الأمس
اليوم
الغد

في عيد ميلاده| أبوتريكة.. لقطات من العشق والدموع

فارس الاهلي المغوار كانت له صولات وجولات بالقميص الأحمر، نصبته ملكا على عرش القلعة الحمراء، طريق طويل فرش بقصص من العشق.. عشق الجماهير له، وعشقه للكيان، وكانت الدموع هي رفيقة الدرب منذ ظهوره وحتى اعتزاله

خالد عامر
16:00 | 07 / 11 / 2018
اليوم 11 نوفمبر، الساعة تقترب من التاسعة مساءً بتوقيت القاهرة، شوارع المحروسة خالية تماماً لا تسمع فيها همساً، وعيونهم معلقة على شاشات التلفاز، التي تنقل الأجواء في تونس الخضراء التي تشهد صخباً كبيراً.

وعلى عكس ما يحدث في مصر، مدرجات ملعب رادس في العاصمة تونس ممتلئة عن آخرها، العيون معلقة على الساعة الداخلية للملعب، والتي أعلنت نهاية الوقت الأصلي للمباراة، وأصبح عقرب الثواني هو الأمل، جماهير الصفاقسي تحتفل، وترجو العقرب الصغير أن يهرول لخط النهاية، وجمهور الأهلي ينظر له بخيبة أمل، والكثير منهم مطأطئ الرأس بدأ في جر أقدامه إلى خارج الاستاد وهو يلعن حظه العاثر الذي قاده لحضور هذه المباراة.

وفجأة.. يظهر مرتدياً عباءته الحمراء من وسط الغيوم، الرقم 22 يلمع في أعين الجماهير، ذلك الرقم الذي صوروه قبل المباراة جاثياً يعلن استسلامه، ليطلق قذيفة تهاوت تحتها حصون الصفاقسي المنيعة، الأصوات تتعالى، والصراخ يملأ الأرجاء، من تونس وحتى القاهرة، وتحول الحلم وخيبة الامل في لحظات قليلة إلى لحظات أسطورية بفضله، بفضل هذا الرقم الذي سيكون عالقاً في أذهان الجميع للأبد، رقم محمد محمد محمد أبوتريكة.

فلاش باك



اليوم 7 نوفمبر من عام 1978، ذلك المنزل الصغير في ناهيا يعلن وصول مولود جديد، ذلك المولود الذي سيتحول بعد 30 عاماً إلى فتى الشاشة الأول في كرة القدم المصرية، الذي ستطلق عليه الجماهير الكثير من الألقاب مثل القاتل المبتسم وصانع السعادة وأمير القلوب والماجيكو.

لكن قبل أن نصل إلى هذا اليوم دعونا نسرد محطات في حياة أمير القلوب، محطات حولته من ذلك الفتى النحيف الذي يعمل كعامل في أحد مصانع الطوب بجوار منزله، إلى معشوق الجماهير، محطات

«كنت أتدرب في الترسانة، وفي نفس الوقت كنت أعمل في تفريغ المونة وهي عملية شاقة ساعدت في تكويني بدنياً»، هكذا تحدث أبوتريكة عن بدايته، مضيفاً: «كنت أحلم بأن أكون مهندساً، لكني لم أحصل على المجموع المناسب».

مسيرة تريكة تحولت من الهندسة إلى كرة القدم، انضم لصفوف الناشئين بنادي الترسانة، وانضم إلى الفريق الأول، وذاع سيطه في الدوري الممتاز، لينضم إلى المنتخب الأولمبي ومنه إلى المنتخب الأول، لكنه وحتى هذه اللحظة لم يكن سوى لاعب آخر موهوب ينتظر الفرصة.

«حصلت على شيك من محمود الخطيب بقيمة انتقالي إلى الأهلي، لكني رفضت صرفه»

ربما كانت محطة أخرى من محطات ارتباط الجمهور الأحمر باللاعب الموهوب هي تفاصيل انتقاله إلى القلعة الحمراء، فبعدما كان قريباً من الانتقال إلى الغريم التاريخي – الزمالك – في نفس الوقت الذي كان الأهلي يبرم فيه تعاقد طال انتظاره من جانب الجمهور، فالنادي ضم لاعب الوسط حسن مصطفى من صفوف الاتحاد السكندري، وهو اللاعب الذي تخرج من شباب الأهلي، ليصول في الملاعب المصرية قبل عودته مرة أخرى.

انضمام أبوتريكة إلى الأهلي لم يكن له وقع كبير عند الناس، لكن حبه الشديد للأهلي، ومقابلة محمود الخطيب رمز الأهلي مع اللاعب لإقناعه باللعب ضمن صفوف الأهلي، وموافقة الأخير على الفور والتوقيع على عقود انتقاله بدون الدخول في أي تفاصيل مادية أو طلبات شخصية جعلت من اللاعب قدوة بالنسبة للجمهور.

ويحكي صانع السعادة تلك اللحظات، قائلاً: «الخطيب كتب لي شيكاً حمل اسمه من حسابه الخاص لحين توثيق العقود، حتى يثبت لي حسن النية ويضمن لي حقي، لكني لم أصرفه، ليتصل بي بعدها بشهر تقريباً يسألني عن سبب عدم صرفي له، فأخبرته أنني أريد الاحتفاظ به كذكرى، كان انضمامي للأهلي مثل الحلم الذي تحقق».

عندما بكى أبوتريكة فقدم موسماً استثنائياً



عام 2005، الأمور طبيعية إلى حد كبير، الأهلي أبرم عددا من التعاقدات القوية، وكتيبته أصبحت لا تشوبها شائبة، ويحصل على بطولة دوري أبطال إفريقيا، ويذهب إلى كأس العالم للأندية في نسخته الأولى، لكنه يخرج من الدور الأول، ويحل أخيراً في ترتيب الفرق، ليعود إلى مصر.

أعضاء البعثة يخرجون تباعاً من المطار في حالة خيبة أمل تسيطر عليهم، ليفاجأوا بعدد كبير من جمهور الأهلي خارج الصالة، يصيحون بأعلى صوتهم، يهتفون للاعب "لاعب بالاسم"، ويقدمون أسمى معاني الوفاء الحب، وفي تلك اللحظة، كانت المرة الأولى التي يبكي فيها أبوتريكة، دموعه التي انهمرت حزناً على ما حدث، وتوعد لما سيأتي.

عام 2006 كتب فصلا جديدا في علاقة أبوتريكة بالجمهور، العام الذي بدأ بصورة أبوتريكة على أغلفة جميع المجلات والصحف الرياضية بعد إحرازه ركلة الجزاء الأخيرة في مرمى ساحل العاج والتي توجت المنتخب المصري بطلاً لإفريقيا، هو نفس العام الذي انتهى بصورة أبوتريكة وهو يضع هدفين في مرمى كلوب أمريكا المكسيكي في كأس العالم للأندية ليخطف للمارد الأحمر المركز الثالث في البطولة.




ونفس المشهد يتكرر مرة أخرى، البعثة تخرج من المطار، لكنها تخرج رافعة رأسها إلى عنان السماء، الجماهير أمام الصلة أضعاف مضاعفة، تهتف أيضاً للاعبين، لكن هذه المرة أبوتريكة لا يبكي.

وما بين هاتين اللقطتين، كانت اللقطة الأبرز، اللقطة التي توجته ملكاً، فعلى الرغم من أنه لم يكن النجم الأوحد في ذلك الوقت ضمن صفوف الأهلي، إلا أنه كان الرمز، كان اللاعب صاحب اللمسة المختلفة، لذلك اختاره جمهور الصفاقسي في ذلك الوقت لوضع صورته على لوحة كبيرة، صورته جاثياً على ركبتيه، يسلم الأميرة الإفريقية لعبد الكريم النفطي نجم الأبيض والأسود في ذلك الوقت، نظرة من أبوتريكة نحو الصورة، تتبعها ابتسامة صغيرة ويواصل عمليات الإحماء.

الوقت يمر سريعاً على الجمهور، ثقيلاً على النفوس، لينفض أبوتريكة كل هذا الغبار، في لقطة حولته من نجم النادي الأهلي، إلى صانع السعادة وأمير القلوب، وكتبت له طريقاً مختلفاً داخل جدران القلعة الحمراء.

«يابو فانلة حرير حمرا.. يا تريكة»

مواقف أبوتريكة كثيرة، داخل الملعب أو خارجها، فمن ينسى هدفه في مرمى الكاميرون عام 2008 في نهائي كأس الأمم الإفريقية، أو العرضية الحريرية التي أرسلها لمحمد حمص الذي وضع الكرة بمنتهى السهولة في مرمى منتخب إيطاليا بطل العالم، ليفوز الفراعنة باللقاء، ومن ينسى لقطاته في مباراة البرازيل التي جعلت الناس يتساءلون ما إذا كانت السامبا هي من ترتدي الزي الأحمر.

«ثقة أبوتريكة في الملعب في كل كرة، أعطتنا ثقة، عندما تشاهد لمساته لم تكن تشعر أنك تشاهد لاعب يلعب في الدوري المصري، ولكن لاعب من الطراز العالمي، كنت تشعر دوماً أنه سيفعل شيئا جديدا»، كانت هذه كلمات سيد معوض زميل أبوتريكة في المنتخب وفي النادي، أما جابريل ماركوتي الصحفي في إذاعة «بي بي سي» فقال «بدون شك إنه أفضل لاعب كرة قدم على وجه الأرض، من المؤسف أنه لم يقدم ما يبرع فيه في أوروبا أو أمريكا الجنوبية لكن هذا لا ينتقص أبدا من قدره».

ومع مرور السنوات أصبح أبوتريكة العلامة المميزة في الملاعب المصرية، بصورته عام 2008 رافعاً قميصه الشهير الذي حمل عبارة «تعاطفاً مع غزة»، وتلك صورته في مطار الجزائر لإعادة الأمور إلى نصابها بين البلدين، وغيرها الكثير من اللقطات التي توجت اللاعب ملكاً في قلوب عاشقيه.

ورويداً رويداً بدأ الهتاف الشهير يجوب الملاعب، أينما ذهب الماجيكو يجد نفس الهتاف يرج الملعب«من العتبة جينا ومن شبرا .. يا تريكة.. يا أبو فانلة حرير حمرا .. يا تريكة»، ليصبح هذا هو النشيد الرسمي لصاحب القدم الحريرية.

«إذا كان الاعتزال قرارك .. فالحب ليس باختيارك»

العام 2013، الجمهور يحبس دموعه، ولافتة كبيرة تحث «الماجيكو» على العدول عن قراره، هو لم يعلنها، لكن الجميع يشعر به، يشم رائحته في الهواء، حتى حانت اللحظة، الحكم الرابع يرفع رقم أبوتريكة معلناً خروجه من الملعب، صاحب الرقم الأشهر في هذه الحقبة الزمنية، يسير على مهل، حتى منتصف الملعب، يقف فجأة، ليلتفت إلى مدرج جماهير الأهلي الشهير، ملقياً عليهم التحية الأخيرة، ليخرج من الملعب.. إلى الأبد.

في الحقيقة أن مسيرة أبوتريكة كانت مليئة بالدموع، دموعه على من فارقوه، ثابت البطل ومحمد عبدالوهاب، دموعه على خيبات أمل في لحظات نادرة من تاريخه، مثل مونديال الأندية 2005، وتبخر حلم التأهل إلى كأسي العالم 2010 و2014، لكن كل هذه الدموع هي ما أنارت درب «تريكة» وجعلت منه قبلة لعاشقيه، وكل هذه الدموع كانت نقطة.

وبكل الصدق الموجود في دموع أبوتريكة خلال مسيرته، كانت دموع الجماهير حاضرة، أكثر صدقاً، في مشهد لن يمحى من تاريخ اللاعب، أو تاريخ عاشقيه.