كأس العالم

يوسف حمدي يكتب: محمد صلاح.. أنت الحلم والحلم أنت

«صلاح كان أسوأ لاعب في مباراة صنع فيها ما يستطيع وأكثر، وصنع قبلها أكثر مما يستطيع من أجل التعافي واللحاق بها».

0
%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81%20%D8%AD%D9%85%D8%AF%D9%8A%20%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8%3A%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD..%20%D8%A3%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%85%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%85%20%D8%A3%D9%86%D8%AA

في مجتمعنا هُناك دورة حياة لكل شيء، فئات تظهر مع كل قصة نجاح ترفعها إلى السماء في البداية، تتحدث عنها بمنطقية في المنتصف، وتخسف بها الأرض بمجرد أن تصل إلى قمة الهرم، ولأن الإجماع حولها يحدث لحظة وصولها لقمة الهرم، يجد هؤلاء في التقليل منها ملاذًا للظهور بالرأي المخالف الذي يحبون الظهور به، والذي غالبًا لا يبنى على أي منطق وغالبًا لا يكون رأيًا حقيقيًا في الأساس، غالبًا ما يكون مجرد سير عكس الاتجاه من أجل السير عكس الاتجاه ليس إلا.

قصة محمد صلاح هي المثال الأوقع على ذلك، اللحظة التي وصل فيها إلى بازل ومنه إلى تشيلسي وفيورنتينا كانت لحظة الإجماع الشعبي، وعلى الرغم من أن مستوى صلاح حينها لم يكن يؤهله للعب كثيرًا في أوروبا، ولم يكن أحدنا لديه القدرة على قراءة المستقبل بهذا الشكل الذي يقول إن صلاح بعقليته سيلامس كل هذا التطور بمرور السنوات، إلا أنه تسبب في حالة الإجماع لأن قصته كانت في بدايتها، وجميعنا يحب البدايات أكثر من أي شيء.

بمرور القصة إلى منتصفها وفي مرحلة روما، أخذ الكلام منحنى منطقيًا أكثر، وأصبح الكثيرون يرون أن صلاح لاعب جيد ولكنه ضعيف في كذا وكذا وينقصه كذا وكذا، التقييمات بدأت تتحدث عن مميزات وعيوب بعيدًا عن حالة الإجماع التي ما زالت موجودة ولكنها تحكم الجانب العاطفي فقط، كان هذا حتى وصل صلاح إلى ليفربول، أو لنكون أدق حتى بعد وصوله إلى ليفربول بأسابيع.

رحلة صلاح إلى ليفربول حفّتها التوقعات بمستقبل جيد على مدار عامين أو ثلاثة أعوام سيتصاعد فيها مستواه تدريجيًا حتى يستطيع مجاراة النسق في إنجلترا، ولكن الرجل لم ينتظر طويلًا ومنذ أول جولة بدأ في إثبات نفسه، وظل النسق في تصاعد حتى وصل إلى ذروته بداية من النصف الثاني من الموسم، فجأة صنع صلاح ما لم يخطر على بال أكثر الحالمين من مدربي التنمية البشرية الذين يرون كل شيء في الحياة بلا عوائق، محمد صلاح أفضل لاعب في ليفربول وفي إنجلترا وحديث العالم ومرشح بارز للكرة الذهبية، يتوسط اسمه ميسي وكرستيانو ويحطم أرقام شيرار وسواريز ورونالدو، تتغنى الجماهير حول العالم باسمه وكلما سار مصريًا في شوارع أوروبا ذكروا له ما هو أقوى من جواز السفر المصري ذاته، «مو صلاح، مو صلاح».

هُنا وصلت القصة إلى المرحلة الأخيرة، مرحلة قمة الهرم التي أراد البعض إزاحة صلاح منها، وفي لحظة لا أعلم متى بدأت أصبحت تلك الفئة التي تحدثنا عنها بدايةً تفهم في كرة القدم أكثر من جميع مدربيها ومُحلليها ولاعبيها، فجأة أصبح كل ما يحققه صلاح من قبيل النفخ الإعلامي وأنه لا يستحق شيئًا مما وصل إليه، وفجأة أيضًا تحول المشيدون به إلى "مطبلين" ووصل الأمر إلى وصفهم بالعبيد، وبمرور الوقت أصبحت الشماتة في إصابته شيئًا يدعو للفخر، وتحول الأمر إلى كراهية غير مفسرة بأي من الأسباب المنطقية أو غيرها.

تحولت هذه الفئة إلى مدربين واكتشفوا أن صلاح ليس مهمًا في تشكيل ليفربول، ثم تطور الأمر وأصبح غير مهم في تشكيلة المنتخب وأنه ليس السبب في صعود مصر لكأس العالم، بعضٌ من الوقت وتحولت هذه الفئة إلى نشطاء حقوقيين ينتقدون تصرفات الرجل السياسية والاجتماعية ويضعون الأسباب وراء تحوله إلى متعجرف لأنه تألم من وضع يد أحدهم موضع إصابته، وقتٌ آخر مر وتحولوا إلى أطباء وقرروا أنه كان يستطيع اللعب منذ أول مباراة في المونديال وأن إصابته لا تستحق كل ذلك ولكنه تخاذل، تخاذل عن حلم عمره؟! ... ربما!

بطريقةٍ أو بأخرى تحول محمد صلاح إلى مركز المزايدات الأول في مصر، فئة تزايد على موقف سياسي وأخرى ديني، فئة تصفه بالمتعجرف وأخرى بمتتبع المصلحة فقط، فئة ترى أنه لاعب مضخم وأخرى تتهم العالم كله بالتطبيل له، يتم اتهامه لأنه سجل ولأنه أضاع ولأنه لعب ولأنه لم يلعب ولأنه سجد بعد تسجيله هدفا ولأنه احتفل بهذه الطريقة ولأنه يصفف شعره بهذه الطريقة ولأنه ولأنه ولأنه، كلها كانت أسباب مصطنعة تفسر فقط التقليل منه لأنه محمد صلاح، الظاهرة التي أجبرت الكل على احترامها والتفاخر بها، فقررت الفئة المذكورة البحث عما ينسفون به كل هذا أيضًا كما أسلفنا دون سبب أو مبرر وراء ذلك.

الخبر الأخير هو أن صلاح كان أسوأ لاعب في مباراة صنع فيها ما يستطيع وأكثر، وصنع قبلها أكثر مما يستطيع من أجل التعافي واللحاق بها، ولكن المشكلة أن هذا الرأي تمامًا كسابقيه ليس مبنيًا على منطق لكي يتم الرد عليه بالمنطق، وبعد شهورٍ بين كل هذا لا أرى حلًا مع هذه الآراء سوى التجاهل، لأن مجرد قراءتها حتى يصيب بالغثيان.

أما إلى صلاح نفسه، ارفع رأسك يا صديقي، لا تجعل أي شيء مما يدعون يشوه التاريخ ويمحو حقيقة أنك من وصلت بنا إلى هنا، أنا أعلم ذلك جيدًا، وأعلم أنني بكيت كثيرًا بمجرد ما سمعتهم في إنجلترا يهتفوق باسمك، وبكيت كثيرًا مع كل جائزة حصدتها، بكيت كثيرًا ليلة سوبر هاتريك واتفورد وليلة هدفي روما، بكيت كثيرًا بمجرد رؤيتك تلامس مجدًا بعد مجد، بكيت لأن كل هذا لامس بداخلي الكثير وصنع بداخلي الكثير، تحدثت كثيرًا من قبل عن قيمتك في صناعة الأحلام وأشهد لك بالكثير في صناعتها بداخلي، رحلتك ألهمتني بالكثير وأعطتني الكثير على المستوى الشخصي، لا أذكر أن هُناك شيئًا ما أسعدني بهذا القدر من قبل، استمر في التحليق يا صديقي فليس لنا سواك نعلق أحلامنا بأطراف أقدامه، الحلم لم ينتهِ ولن ينتهي أبدًا طالما أنت ما زلت بيننا، كأس العالم كان فصلًا في القصة وانتهى، أما الحلم فهو أنت، أنت الحلم ذاته يا صديقي حتى لو أقسم جميعهم بعكس ذلك.

.